يقول الله تعالى في كتابه المجيد:يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى و في آية أخرى يقول اله عز ودل : وَ إِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَ لَوْ كانَ ذا قُرْبى.
العدل أساس الإسلام و نظام الكون بأسره ، و اسم من أسماء الله الحسنى، و من صور العدل التي تتحدث عنها هذه ألآيات هي إنصاف الناس من نفسك، ففي بعض الأحيان قد يكون بينك و بين الناس مشكلة ، تكون فيها أنت الظالم أو المتعدي ، مقتضى العدل ان تنصف الناس من نفسك فتعترف بخطئك و تتوب إلى الله ، و تعطي الناس حقوقهم التي في ذمتك، هذا هو الإنصاف .
و في بعض الأحيان قد يتطلب منك موقف شهادة بحق شخص ما، تعيش في نفسك العداوة معه ، أو عدم الانسجام ، فإن مقتضى الإنصاف أن تشهد بالقسط و العدل، و الله يطبق الإنصاف على هذا الموقف فيقول: و لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، أي لا يدفعنكم و يحملنكم بغضكم لأحد ما على أن تتصرفوا معه خلاف العدل و الإنصاف، بل اعدلوا هو أقرب للتقوى . و قد نلاحظ على مستوى النصيحة اختلال ميزان العدل و الإنصاف بين الناس حيث قد يطلب منك نصيحة في التجارة أو الزواج ، فتجد الفرصة ملائمة لتشفي غيظك من شخص ما ، فتصفه بما يناسب البغضاء و العداوة لا بما يناسب العدل و الإنصاف ،و هذا لا يتناسب مع التقوى و التزام جانب العدل في التصرف مع الآخرين.
و قد وضع الإسلام طريقة عملية لتعويد المؤمنين على الإنصاف ، مبدؤها أن المؤمنين أخوة كما ورد في القرآن و هم كالجسد الواحد، كلما اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر و الحمّى، و أن أيّ ضير أو ظلم يصيب فردا من المؤمنين ينعكس تأثيره المعنوي و المادي على بقية المؤمنين جميعا، و لذا جعل الإنصاف طريقة الحفاظ على هذه الرابطة، فيقول أمير المؤمنين واصفا الطريقة التي تجعل المؤمنين يتعودون على الانصاف :
قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ لِابْنِهِ الْحَسَنِ ع يَا بُنَيَّ اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ غَيْرِكَ فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ وَ اكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا وَ لَا تَظْلِمْ كَمَا لَا تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ وَ أَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ وَ اسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُ مِنْ غَيْرِكَ وَ ارْضَ مِنَ النَّاسِ بِمَا تَرْضَاهُ لَهُمْ مِنْ نَفْسِكَ وَ لَا تَقُلْ مَا لَا تَعْلَمُ وَ قُلْ مَا تَعْلَمُ وَ لَا تَقُلْ مَا لَا تُحِبُّ أَنْ يُقَالَ لَكَ .
فالأمر الأول الذي يركز عليه أمير المؤمنين هو أن تجعل نفسك ميزانا فيما بينك و بين الناس ، كل ما لا ترضاه لنفسك عليك أن لا ترضاه للناس، و كل ترضاه و تحبه لنفسك عليك أن تحبه للناس، و بذلك تطرد كل اصفات الذميمة عن شخصيتك، لمجرد سؤال: هل تقبل أن يكذب عليك أحد؟ بالطبع لا ، إذا لا تكذب على الآخرين… هل تقبل أن يسرقك أحد ؟ لا إذا لا تسرق من الآخرين.. هل تقبل أن يهينك أحد؟ لا إذا لا تعمد إلى إهانة اللآخرين، و هكذا فاجعل السؤال الأول قبل كل تصرف اتجاه الآخرين: ماذا لو كنت أنا الذي أتعرض لهذا التصرف.
و يتابع أمير المؤمنين فيقول تطبيقا لهذه القاعدة : وَ لَا تَظْلِمْ كَمَا لَا تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ ، و من الظلم الذي يتعرض له المؤمن هو تشويه صورته و سمعته ، لذنب ارتكبه يوما ما و اطلعت عليه ،و شهرت به واغتبته ، و في هذا المقام يحذر أمير المؤمنين فيقول : وَ إِنَّمَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْعِصْمَةِ وَ الْمَصْنُوعِ إِلَيْهِمْ فِي السَّلَامَةِ أَنْ يَرْحَمُوا أَهْلَ الذُّنُوبِ وَ الْمَعْصِيَةِ وَ يَكُونَ الشُّكْرُ هُوَ الْغَالِبَ عَلَيْهِمْ وَ الْحَاجِزَ لَهُمْ عَنْهُمْ .
فَكَيْفَ بِالْعَائِبِ الَّذِي عَابَ أَخَاهُ وَ عَيَّرَهُ بِبَلْوَاهُ أَ مَا ذَكَرَ مَوْضِعَ سَتْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ ذُنُوبِهِ مِمَّا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي عَابَهُ بِهِ وَ كَيْفَ يَذُمُّهُ بِذَنْبٍ قَدْ رَكِبَ مِثْلَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَكِبَ ذَلِكَ الذَّنْبَ بِعَيْنِهِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ فِيمَا سِوَاهُ مِمَّا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ وَ ايْمُ اللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَكُنْ عَصَاهُ فِي الْكَبِيرِ وَ عَصَاهُ فِي الصَّغِيرِ لَجَرَاءَتُهُ عَلَى عَيْبِ النَّاسِ أَكْبَرُ يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَعْجَلْ فِي عَيْبِ أَحَدٍ بِذَنْبِهِ فَلَعَلَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ وَ لَا تَأْمَنْ عَلَى نَفْسِكَ صَغِيرَ مَعْصِيَةٍ فَلَعَلَّكَ مُعَذَّبٌ عَلَيْهِ فَلْيَكْفُفْ مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ عَيْبَ غَيْرِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ عَيْبِ نَفْسِهِ وَ لْيَك
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ